بودكاست السارد: رحلة في عالم الرواية والأدب الحديث وتعلم فنون الكتابة
تحتل الرواية مكانة خاصة في عالم الأدب، لأنها لا تقتصر على تقديم قصة أو مجموعة من الأحداث، بل تمنح القارئ فرصة لفهم الإنسان والمجتمع والتاريخ والثقافة من زوايا مختلفة. ومع انتشار المحتوى الصوتي في العالم العربي، أصبح من الممكن التعرف على الأدب والكتابة بطريقة جديدة من خلال برامج البودكاست، ومن أبرز التجارب المتخصصة في هذا المجال بودكاست السارد.
يقدم بودكاست السارد رحلة صوتية في عالم الرواية المعاصرة، لا تركز فقط على أشهر الأعمال الأدبية، وإنما تبحث بصورة أعمق في حياة الروائيين وأساليبهم والأدوات الفنية التي استخدموها في صناعة رواياتهم.
وانطلق البرنامج في أكتوبر 2021 من إنتاج كولاج، وبدعم من مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي “إثراء”، ضمن مبادرة تهدف إلى دعم المحتوى الثقافي والإبداعي العربي. وتشير الصفحة الرسمية للبودكاست على Apple Podcasts إلى أن الموسم المنشور يضم 11 حلقة، وكانت آخر حلقاته في أبريل 2022.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تتعامل مع الرواية باعتبارها حرفة لها أدوات وتقنيات يمكن فهمها وتحليلها، وليست مجرد موهبة غامضة يمتلكها بعض الأشخاص دون غيرهم.
بودكاست السارد وعالم الرواية المعاصرة وفنون الكتابة
ما هو بودكاست السارد وما الفكرة التي يقوم عليها؟
بودكاست السارد هو برنامج عربي متخصص في الرواية والأدب، يركز بصورة أساسية على أبرز الروائيين الذين كان لهم تأثير في الرواية العربية المعاصرة.
ويصف البرنامج نفسه بأنه رحلة في الرواية المعاصرة تتناول حياة الكتاب ومكامن الشغف في سيرهم، ثم تنتقل إلى تحليل أساليبهم والأدوات التي استخدموها في حرفة الرواية.
وهذا يعني أن المستمع لا يحصل فقط على معلومات حول كاتب معين أو قائمة بأعماله، وإنما يحاول فهم كيفية صناعة العمل الأدبي نفسه.
فعند الحديث عن روائي معين يمكن طرح أسئلة مثل: كيف يبني شخصياته؟ كيف يتعامل مع الزمن داخل الرواية؟ كيف يبدأ الأحداث؟ وما الطريقة التي يستخدمها في سرد القصة؟
وقد أوضح فريق المشروع أن هدفه لم يكن تقديم نقد أدبي تقليدي أو إعادة تفسير الروايات، وإنما البحث في الأدوات والحيل الفنية التي يستخدمها الروائيون في الكتابة.
وهذه النقطة تجعل المحتوى مفيدًا بصورة خاصة للكتاب المبتدئين الذين يبحثون عن فهم عملي لعملية الكتابة.
فبدلًا من قراءة نصائح عامة مثل “اكتب كثيرًا” أو “اقرأ باستمرار”، يستطيع المستمع التعرف على تجارب حقيقية لروائيين استطاعوا بناء أعمال أثرت في الأدب العالمي والعربي.
كما يفيد البرنامج القراء الذين يريدون الانتقال من القراءة لمجرد معرفة الأحداث إلى قراءة أكثر وعيًا، تهتم ببناء الشخصيات والأسلوب وطريقة السرد واللغة المستخدمة.
كيف تم إعداد بودكاست السارد وما علاقة إثراء بالمشروع؟
أحد الجوانب التي تميز بودكاست السارد أنه لم يُبنَ فقط على آراء شخصية حول الروايات، بل سبقه عمل بحثي حول الرواية والتأثير الأدبي.
ووفق مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي “إثراء”، عمل الفريق العلمي للمشروع على بحث بعنوان “ملامح الرواية العربية”، وشمل 20 مقابلة مع روائيين ونقاد بهدف التعرف على الروائيين الأكثر تأثيرًا في الروائي العربي المعاصر.
وانتهى المشروع إلى اختيار عشرة روائيين من أبرز الأسماء المؤثرة، ومن بينهم فيودور دوستويفسكي، وغابرييل غارسيا ماركيز، وفرانز كافكا، ونجيب محفوظ، وليو تولستوي، وأورهان باموق، وماريو فارغاس يوسا، والطيب صالح.
كما استغرق البحث الذي بني عليه المشروع نحو 12 شهرًا وفق تصريحات مدير الفريق العلمي علي الثنيان.
وقد جاء دعم بودكاست السارد ضمن مبادرة إثراء المحتوى التابعة لمركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي، وهي مبادرة تهدف إلى دعم تطوير المحتوى الثقافي المحلي في المجالات المقروءة والمسموعة والمرئية.
وتكشف هذه الخلفية أن البرنامج لم يكن مجرد مجموعة من الحلقات التي تستعرض أشهر الروايات، وإنما مشروعًا يحاول تكوين مادة معرفية يمكن أن يستفيد منها المهتمون بالكتابة والسرد.
كما أن الربط بين البحث العلمي والإنتاج الصوتي يساعد على تقديم المعلومات بطريقة تجمع بين الجدية والمتعة.
كيف تستفيد من بودكاست السارد في القراءة والكتابة وتطوير مهاراتك؟
أبرز الروائيين والحلقات وما يمكن تعلمه من أساليبهم
من الأشياء التي تجعل بودكاست السارد مناسبًا لمحبي الأدب تنوع الكتاب الذين تناولهم.
ويظهر في أرشيف البرنامج عدد من الأسماء المهمة في الأدب العربي والعالمي، من بينها جوزيه ساراماغو، وغسان كنفاني، والطيب صالح، ونجيب محفوظ، إلى جانب كتاب عالميين آخرين.
وتتناول إحدى الحلقات تجربة الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو، صاحب أعمال شهيرة مثل “العمى” و”كل الأسماء” و”انقطاعات الموت”. وتشير بيانات الحلقة إلى أنها تتناول حياته وتكوينه ومسيرته الأدبية.
والتعرف على ساراماغو لا يعني فقط معرفة قصة حياته، بل يمكن للكاتب المبتدئ أن يلاحظ كيف استطاع روائي عالمي تطوير صوت سردي خاص به.
كما خصص البرنامج حلقاته الأخيرة لعدد من الأسماء العربية المهمة؛ فقد تناول الحلقة الثامنة نجيب محفوظ، والتاسعة الطيب صالح، والعاشرة غسان كنفاني.
ويمكن الاستفادة من هذه الحلقات عبر عدم الاكتفاء بالاستماع السلبي.
إذا كنت مهتمًا بالكتابة، احتفظ بدفتر صغير وسجل أثناء الاستماع ثلاث نقاط:
ما التقنية التي يستخدمها الكاتب؟
ما الذي يميز شخصياته؟
كيف يمكن تجربة التقنية نفسها في قصة قصيرة تكتبها أنت؟
فعلى سبيل المثال، إذا اكتشفت أن أحد الكتاب يعتمد على بناء شخصيات معقدة لها دوافع متناقضة، يمكنك كتابة شخصية قصيرة وتحديد ثلاثة أشياء: ما الذي تريده؟ ما الذي تخاف منه؟ وما الشيء الذي يمنعها من الوصول إلى هدفها؟
هذه الطريقة تحول الاستماع إلى تدريب عملي.
أما إذا كنت قارئًا، فيمكنك بعد الاستماع إلى حلقة عن كاتب معين قراءة إحدى رواياته وملاحظة النقاط التي تحدث عنها البرنامج.
ومن المهم أيضًا عدم اعتبار أساليب كبار الروائيين قواعد ثابتة يجب تقليدها حرفيًا. الهدف هو فهم الأدوات المختلفة، ثم اكتشاف الأسلوب الذي يناسبك أنت.
كيف يساعدك الأدب والسرد في العمل والتواصل والإنترفيو؟
قد يبدو أن بودكاست متخصص في الرواية بعيد عن عالم الوظائف، لكن مهارات السرد والكتابة يمكن أن تكون مفيدة جدًا في الحياة المهنية.
من أهم هذه المهارات القدرة على تنظيم الأفكار.
فالكاتب الجيد يعرف كيف يبدأ قصة، وكيف يرتب التفاصيل، وكيف يقود القارئ إلى نقطة معينة. والمهارة نفسها يحتاج إليها الموظف في العرض التقديمي، والاجتماعات، وكتابة البريد الإلكتروني، وحتى في مقابلات العمل.
عندما يسألك مسؤول التوظيف:
“حدثني عن نفسك.”
فأنت في الحقيقة تقدم قصة قصيرة عن مسيرتك المهنية.
ويفضل أن تبدأ بوضعك الحالي، ثم خبرتك السابقة، ثم مهاراتك، ثم سبب تقدمك إلى الوظيفة.
مثلًا:
“تخرجت في كلية التجارة وبدأت اهتمامي بمجال التسويق أثناء الجامعة. بعد ذلك تدربت في شركة متخصصة في التسويق الرقمي، وهناك تعلمت إدارة الحملات وتحليل النتائج. خلال الفترة الأخيرة ركزت على تطوير مهارات تحليل البيانات، وأبحث حاليًا عن فرصة تسمح لي باستخدام هذه الخبرة ضمن فريق تسويق متخصص.”
هذه الإجابة أكثر وضوحًا من سرد معلومات منفصلة لا يوجد بينها رابط.
وتفيد مهارات السرد أيضًا عند الإجابة عن سؤال مثل:
“احكِ لي عن مشكلة واجهتها في العمل وكيف تعاملت معها.”
هنا تستطيع استخدام أسلوب قريب من بناء القصة:
ابدأ بالموقف، ثم المشكلة، ثم ما فعلته، وأخيرًا النتيجة.
وهو الأسلوب المعروف في مقابلات العمل باسم STAR:
Situation
Task
Action
Result
كذلك يمكن للقراءة والاستماع إلى الأدب تحسين الثروة اللغوية والقدرة على التعبير، وهي مهارات مهمة في مجالات كثيرة مثل التسويق، وصناعة المحتوى، والإعلام، والعلاقات العامة، والكتابة، وخدمة العملاء.
ولو كنت تفكر في العمل في مجال صناعة المحتوى أو كتابة المقالات، يمكن أن يساعدك بودكاست السارد على فهم عناصر مثل البداية الجذابة، وبناء الفكرة، وترتيب المعلومات، والحفاظ على اهتمام القارئ.
ويمكنك تدريب نفسك بعد كل حلقة على كتابة ملخص يتراوح بين 100 و150 كلمة.
بعد ذلك حاول كتابة الملخص مرة ثانية في 50 كلمة فقط.
هذا التمرين يعلمك كيفية اختيار المعلومات المهمة وحذف التفاصيل غير الضرورية، وهي مهارة مهمة جدًا في كتابة المحتوى والتقارير والبريد الإلكتروني.
كما يستطيع الطلاب في تخصصات الأدب والإعلام واللغة العربية الاستفادة من البرنامج باعتباره مدخلًا للتعرف على عدد من التجارب الروائية وأساليب السرد المختلفة.
ويستطيع أي شخص يريد تجربة الكتابة الإبداعية أن يبدأ بخطوات بسيطة: اقرأ باستمرار، واستمع إلى تجارب الكتاب، واكتب مشاهد قصيرة، وحاول تطوير الشخصيات بدلًا من التفكير منذ البداية في كتابة رواية كاملة.
فالرواية مشروع طويل، وغالبًا ما يحتاج إلى صبر ومراجعة وإعادة كتابة أكثر من حاجته إلى فكرة عبقرية مفاجئة.
ويمكن الوصول إلى البرنامج عبر Apple Podcasts:
بودكاست السارد على Apple Podcasts
كما يمكن التعرف على تفاصيل المشروع من خلال موقع مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي “إثراء”:
وبهذه الطريقة يمكن استخدام بودكاست السارد ليس فقط كوسيلة للتعرف على الروائيين، وإنما كأداة تساعد على تطوير طريقة القراءة والكتابة وتنظيم الأفكار والتعبير عنها، وهي مهارات يمكن أن تمتد فائدتها من الأدب إلى الدراسة والعمل وصناعة المحتوى.